الفيض الكاشاني
107
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
تعيّن عليه وإن كان معه غيره وشرع أحدهما في الأمر أو النهي فإن ظنّ الآخر أنّ لمشاركته أثرا في تعجيل ترتّب الأثر ورسوخ الانزجار وجب عليه أيضا وإلا فلا ، لأنّ الغرض وقوع المعروف وارتفاع المنكر فمتى حصلا بفعل واحد كان السعي من الآخر عبثا ، وهذا معنى ما قيل : إنّ الوجوب كفائيّ وأمّا من قال : إنّه عينيّ فإنّما أراد به الوجوب على من كان مستجمعا للشرائط فما يصحّ للنزاع ليس إلا سقوطه عن المستجمعين لها بقيام بعضهم به قبل ترتّب الأثر ليس إلا ، سئل مولانا الصادق عليه السّلام عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أواجب على الأمّة جميعا ؟ فقال : لا ، فقيل : ولم ؟ قال : إنّما هو على القويّ المطاع ، العالم بالمعروف من المنكر ، لا على الضعفة الَّذين لا يهتدون سبيلا إلى أيّ من أيّ - يقول من الحقّ إلى الباطل - ( 1 ) والدّليل على ذلك كتاب اللَّه تعالى قوله : « ولتكن منكم امّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر » ( 2 ) فهذا خاصّ غير عامّ كما قال تعالى : « ومن قوم موسى امّة يهدون بالحقّ وبه يعدلون » ( 3 ) ولم يقل على امّة موسى ولا على كلّ قومه وهم يومئذ أمم مختلفة والأمّة واحدة فصاعدا كما قال اللَّه تعالى : « إنّ إبراهيم كان امّة قانتا للَّه » ( 4 ) يقول : مطيعا للَّه وليس على من لم يعلم ذلك في هذه الهدنة من حرج إذا كان لا قوّة له ولا عدد ولا طاعة » ( 5 ) . ثمّ سئل عليه السّلام عن الحديث النبويّ « أنّ أفضل الجهاد كلمة عدل عند إمام جائر . ما معناه ؟ قال : هذا على أن يأمره بعد معرفته وهو مع ذلك يقبل منه » ( 6 ) . أشار عليه السّلام إلى أنّ للوجوب شرائط ولا يجب على فاقدها ، وقد يضمن الحديث من شرائطها ثلاثة : وأهمل الإصرار ولعلَّه لظهوره . وفي حديث آخر عنه عليه السّلام « إنّما يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر مؤمن
--> ( 1 ) كأنه كلام الراوي ومعناه انهم يدعون الناس من الحق إلى الباطل لعدم اهتدائهم . ( 2 ) آل عمران : 104 . ( 3 ) الأعراف : 159 . ( 4 ) النحل : 121 وقوله : قانتاً أي مطيعا . في القاموس القنوت : الطاعة . . وكان عليه السّلام أمة لكماله واستجماعه فضائل لا تكاد توجد إلا متفرقة في جماعة كثيرة . ( 5 ) الكافي ج 5 ص 59 و 60 وفي المصدر « لا قوة له ولا عذر ولا طاعة » . ( 6 ) الكافي ج 5 ص 59 و 60 وفي المصدر « لا قوة له ولا عذر ولا طاعة » .